بيان حول قرار حظر استيراد السلع
حركة المستقبل للإصلاح والتنميةالأمانة الاقتصاديةدائرة الإعلام الاقتصادي
يعاني الميزان التجاري لجمهورية السودان منذ سنوات من عجزٍ مزمن، حيث تميل كفّته بشكل واضح لصالح الواردات، الأمر الذي يفرض ضغوطًا كبيرة على احتياطي البلاد من العملات الأجنبية. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تبنّي سياسات اقتصادية رشيدة تستهدف تقليص فجوة الميزان التجاري، عبر إحلال الواردات، وتعظيم الصادرات، وترشيد استخدام النقد الأجنبي.وفي إطار هذه التوجهات، أصدر مجلس الوزراء القومي قرارًا بحظر استيراد عدد من السلع، في محاولة للحد من الطلب على العملات الصعبة وتشجيع الإنتاج المحلي. ومن حيث المبدأ، يمكن اعتبار هذا القرار خطوة إيجابية، لما يحمله من توجه نحو دعم الصناعات الوطنية وتعزيز الاعتماد على الإنتاج المحلي.غير أن فعالية هذا القرار تظل مرهونة بتوفر بدائل محلية حقيقية قادرة على تلبية احتياجات السوق. وهنا تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى امتلاك السودان للقدرة الإنتاجية الكافية لتغطية الطلب المحلي على السلع المشمولة بالحظر، ومدى جاهزية البيئة الإنتاجية لتوطين هذه الصناعات في المدى القريب.في جانب السلع الغذائية، ينبغي أن تتجنب سياسات الحظر المساس بالسلع الأساسية التي تمثل احتياجات يومية لشرائح واسعة من المواطنين، خاصة ذوي الدخل المحدود. وتشير التقديرات إلى وجود فجوة إنتاجية في عدد من هذه السلع، حيث لا يغطي الإنتاج المحلي حجم الاستهلاك، مما يستدعي استيراد كميات كبيرة سنويًا لسد العجز. وعليه، فإن حظر استيرادها دون توفير بدائل كافية قد يؤدي إلى ارتفاع أسعارها وتفاقم الأعباء المعيشية.ففيما يتعلق بمواد إعادة الإعمار، فإن حظر استيراد بعض السلع المرتبطة بها، في وقت تشهد فيه عدة ولايات عمليات إعمار واسعة، قد يؤدي إلى فجوة في الإمداد وارتفاع في الأسعار، خاصة في ظل ضعف أو غياب الإنتاج المحلي الكافي لتلبية الطلب بالكميات والجودة المطلوبة.كما أن الصناعات المرتبطة بمواد البناء، رغم إمكانية توطينها، تواجه تحديات كبيرة، من بينها نقص الطاقة (الكهرباء والوقود)، وشح المواد الخام، وتراجع الكوادر الفنية المؤهلة نتيجة النزوح والهجرة، وهو ما يضعف القدرة الإنتاجية الحالية ويحد من فرص التوسع السريع.ومن جهة أخرى، قد يعكس القرار ضغوطًا متزايدة على موارد النقد الأجنبي، وهو ما قد ينعكس في ارتفاع معدلات التضخم وزيادة أسعار السلع، في ظل تدهور القوة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر.كما أن تصنيف بعض السلع ضمن “الكمالية” يظل محل نقاش، إذ إن بعضها يدخل في أنشطة اقتصادية أو احتياجات معيشية متفاوتة، وقد يؤدي حظرها إلى تقليص الإيرادات الجمركية والضريبية في وقت تحتاج فيه الدولة إلى تعظيم مواردها.ولا يمكن إغفال الآثار الاقتصادية غير المباشرة للقرار، حيث يمتد تأثيره إلى سلاسل الإمداد المرتبطة بعمليات الاستيراد، بما في ذلك أنشطة النقل، والتخليص الجمركي، والتوزيع، والتخزين، وما يرتبط بها من فرص عمل قد تتأثر سلبًا.إن نجاح مثل هذه السياسات يتطلب تبنّي حزمة متكاملة من الإجراءات، تشمل دعم الإنتاج المحلي عبر توفير التمويل، وتحسين بيئة الأعمال، ومعالجة اختناقات الطاقة، وتطوير البنية التحتية، إلى جانب التدرج في تطبيق سياسات الحظر بما يضمن عدم إحداث صدمات في السوق.وعليه، فإن حظر الاستيراد، في غياب البدائل الكافية والدعم الإنتاجي اللازم، قد يتحول من أداة للإصلاح الاقتصادي إلى عبء إضافي على المواطن، ومصدر جديد للضغوط المعيشية.
الخرطوم٢٨ أبريل ٢٠٢٦م

