مذكرة سياسية حول ما سُمّي بـ "خارطة طريق قوى إعلان المبادئ السوداني"
بسم الله الرحمن الرحيم
حركة المستقبل للإصلاح والتنمية
الأمانة السياسية
مذكرة سياسية حول ما سُمّي بـ “خارطة طريق قوى إعلان المبادئ السوداني”إلى الرأي العام السوداني، القوى الوطنية ، وقيادة الدولة.
تمهيد:
تأتي هذه المذكرة من منطلق المسؤولية الوطنية والتزام “حركة المستقبل للإصلاح والتنمية” بصيانة سيادة السودان ودعم مؤسساته الشرعية وعلى رأسها القوات المسلحة السودانية. وبعد دراسة متأنية ومستفيضة للوثيقة الصادرة بتاريخ 23 مايو 2026م تحت مسمى “خارطة الطريق” المنشورة من قبل من يُطلق عليهم “قوى إعلان المبادئ السوداني”، نتقدم بهذا النقد البنيوي الشامل الذي يفكك المزالق الخطيرة التي تنطوي عليها هذه الخارطة، وتبيان الأجهزة والآليات الرقابية المشبوهة التي استحدثتها، والتي نرى أنها لا تخدم سوى الأجندة الخارجية ومحاولات تقويض الدولة الوطنية.أولاً: تفكيك بنية الدولة واستهداف شرعية مؤسساتها:تنطوي الخارطة على محاولات مستترة وعلنية لتجريد الدولة السودانية من شرعيتها الدستورية والقانونية المستمدة من الوثيقة الدستورية وإرادة الشعب السوداني ومن التزاماتها التاريخية في حماية الأرض والعِرض، ويتضح ذلك في الآتي:- المساواة المرفوضة بين مؤسسة الدولة والمليشيا المتمردة: تتعمد الوثيقة وضع “القوات المسلحة السودانية” – وهي الجيش الوطني الشرعي والوحيد للبلاد – على قدم المساواة مع “مليشيا الدعم السريع” المتمردة. تسمية الطرفين بـ “طرفي الحرب” وإلزامهما بتدابير مشتركة وتجميد حركتيهما يُعد نسفاً للمبدأ القانوني والدستوري لحق الدولة في بسط سيادتها ومكافحة التمرد. لا يمكن مساواة القوات المسلحة التي تدافع عن كيان الدولة بمليشيا مارست أبشع الانتهاكات ضد المواطنين.- اختطاف المسار العسكري والترتيبات الأمنية بصيغة مدنية مشبوهة: تنص الوثيقة على أن “يقود القطاع الأمني والعسكري جهة مدنية “. إن إخضاع صياغة العقيدة العسكرية والترتيبات الأمنية لإرادة احزاب سياسية معينة – غير منتخبة ولا تمثل الإجماع الوطني – هو محاولة واضحة لتسييس الجيش وتصفية حسابات تحت غطاء “الإصلاح الأمني”، وهو ما يهدد تماسك القوات المسلحة.- الاستهداف الانتقائي والإقصاء السياسي الممنهج: بينما تفتح الخارطة الباب لمشاركة المتمردين وتفرد لممثلي القوات المتمردة مقاعد في آليات الرقابة والتنسيق السياسية والعسكرية، نجدها في المقابل تُقحم نصوصاً إقصائية تستثني تشكيلات وطنية دافعت عن الأرض كالمقاومة الشعبية تحت حجة “التطرف”. إن هذا الكيل بمكيالين يؤكد أن الوثيقة ليست وثيقة سلام شامل بل هي أداة انتقام وإقصاء لشرائح واسعة من الشعب السوداني ساندت جيشها في معركة الكرامة.ثانياً: تقويض السيادة عبر تفخيخ البلاد بآليات وأجهزة رقابية مشبوهة:إن التدقيق في آليات التنفيذ والرقابة المقترحة في الوثيقة يكشف عن نية مبيتة لتجريف سيادة الدولة وإحلال شبكة من الأجهزة الموازية بدعم خارجي لتتحكم في مصير العسكريين والمدنيين على حد سواء:- شرعنة الوصاية الأمنية عبر “بعثة المراقبة الهجينة” (HMM): إن مقترح إنشاء بعثة مراقبة ذات طابع مدني تضم مراقبين دوليين وإقليميين تحت مسمى (HMM) للتحقيق في الانتهاكات، هو التفاف صريح لاستدعاء التدخل الدولي الاستخباراتي والأمني إلى العمق السوداني. هذه البعثة ستمثل سيفاً مسلطاً على تحركات القوات المسلحة السودانية وستعمل على غل يدها عن حسم المتمردين تحت دعاوى حماية المدنيين ووقف الهجمات.- عولمة وتدويل الرقابة العسكرية (CJMC): طرح الخارطة لإنشاء “اللجنة العسكرية المشتركة لوقف إطلاق النار” (CJMC) وإقحام مكونات إقليمية (قوات من دول الإقليم) ومكونات دولية (قوات من دول محايدة) في عمليات الرقابة وحفظ السلام والتحقيق في الانتهاكات والاتفاق على عقوبات ومحاسبة مرتكبيها، هو تجريد كامل للقضاء الوطني السوداني من صلاحياته، واعتداء صارخ يضع رقاب ضباط القوات المسلحة تحت طائلة لجان تحقيق أجنبية مشبوهة.- التوظيف السياسي لـ “المفوضية السياسية لوقف إطلاق النار” (CPC): تأسيس ما يسمى بـ (CPC) كأداة سياسية للإشراف والتحكم في الاتفاق العسكري ومعالجة الخلافات والتنسيق مع الجهات الإقليمية والدولية، يهدف بوضوح إلى إعطاء الشرعية السياسية للقوى الموقعة على الوثيقة لتصبح هي المرجعية العليا التي تملك قرار توجيه الأجهزة العسكرية، مما يلغي تماماً دور مؤسسات الدولة القائمة ويهدد استقلالية القرار الوطني.- اختراق النسيج الاجتماعي عبر “اللجنة العليا (HHCC)” و”لجان خفض التصعيد” (LDCs): إن استحداث “اللجنة العليا لتنسيق العمل الإنساني” (HHCC) و”لجان خفض التصعيد المحلية” (LDCs) في مناطق التماس، ما هي إلا محاولات لإنشاء إدارات مدنية موازية تتجاوز السلطة التنفيذية والاتحادية للدولة. هذه اللجان، عبر تلقيها دعماً مباشراً وتوجيهاً من “ممثلي دول الرباعية والمنظمات الدولية”، تفتح الباب على مصراعيه لتقسيم السودان إلى كانتونات إدارية تخضع للتمويل الأجنبي والوصاية الخارجية.ثالثاً: تقويض السيادة الوطنية والارتهان للمشاريع الخارجية:إن الخارطة في مجملها تؤسس لإنهاء دور القرار الوطني المستقل وتحويل البلاد إلى محمية دولية، وهو ما نرفضه جملة وتفصيلاً:- إعادة إنتاج المنصات الخارجية وتكريس الوصاية: تُبنى الخارطة على مرجعيات ومنابر خارجية أثبتت فشلها وانحيازها مثل “بيان الرباعية الدولية (2025)” و”الترويكا” و”مجموعة الخمسة”. إن الارتهان لقرارات هذه المحاور يعزل القرار الوطني ويجعل مستقبل السودان رهينة في أيدي قوى إقليمية ودولية تبحث عن مصالحها الجيوسياسية الخاصة على حساب دماء السودانيين.- الرفض القاطع لأي قوات أو رقابة أجنبية: إن استدعاء أي صيغ عسكرية أو مدنية أجنبية للرقابة أو الفصل على الأراضي السودانية هو احتلال مقنع وشرعنة لتدويل القضية الوطنية، وشعبنا وجيشنا كفيلان بإدارة شؤون البلاد وصيانة حدودها وأمنها.رابعاً: الجوانب الخفية والمخاطر المباشرة على الشعب السوداني:وراء الكلمات المنمقة حول “الإغاثة الإنسانية” و”صمت البنادق”، تختبئ قنابل موقوتة تضر بالمواطن السوداني بشكل مباشر:- إبقاء المتمردين في منازل المواطنين والأعيان المدنية: تطالب الوثيقة بـ “وقف العدائيات وتجميد القوات في مواقعها الحالية” لمدة ثلاثة أشهر. هذا النص يعني بالضرورة شرعنة وتثبيت وجود المليشيا المتمردة في منازل المواطنين والمستشفيات والأعيان المدنية التي احتلوها بقوة السلاح، مما يحرم ملايين النازحين واللاجئين من حقهم الطبيعي والآمن في العودة إلى ديارهم، ويحول الاحتلال الغاشم للأعيان المدنية إلى “واقع سياسي” يُفاوض عليه.- تمرير أجندة سياسية تحت لافتة “الملف الإنساني”: ربط المسارات الثلاثة (الإنساني، وقف إطلاق النار، والسياسي) كنسيج واحد لا ينفصل هو عملية ابتزاز واضحة للشعب السوداني؛ حيث تُرهن إغاثة الجوعى وفتح الممرات بتنازلات سياسية وتفكيك لمؤسسات الدولة. الملف الإنساني يجب أن يكون خالصاً لإنقاذ أرواح المواطنين دون ربطه بأي مكاسب أو اشتراطات سياسية للقوى الموقعة على الوثيقة.- مخاطر سيناريو “استمرارية الحياة في غياب الاتفاق”: إن ما ورد في الوثيقة حول “الاعتراض على انتظار الاتفاق” والتوجه نحو “التمويل المباشر للمنظمات المحلية والمبادرات القاعدية”، هو مخطط خفي لقطع التمويل والإيرادات عن ميزانية الدولة المركزية وتوجيه الأموال الأجنبية لكيانات ومبادرات غير حكومية تصنعها جهات خارجية لتعميق التجزئة الجغرافية والمؤسسية في البلاد وهذه الجهات غير مؤهلة لإدارة هذا العمل وبالضرورة ستعمل لمصلحة مموليها ولأجندتهم ضد الدولة.خامساً: التفصيل الاستباقي لمستويات الحكم ومصادرة الإرادة الدستورية للشعب:تكشف الخارطة المطروحة في طياتها عن نزعة إقصائية ومحاولة لفرض وصاية نخبوية على مستقبل البلاد السياسي والدستوري، عبر استباق المراحل الانتقالية وتفصيل البنية الدستورية للدولة بمقاسات حِزبية ضيقة، ويتجلى ذلك في المحاور التالية:- اختطاف قضايا التأسيس الدستوري الدائم في غياب الشعب: تطرح الوثيقة قضايا “صناعة الدستور الدائم، ومبادئ الدستور، والنظام الانتخابي” كملفات للتفاوض والتقرير بين نخب سياسية معزولة وقوى افتراضية. إن محاولة وضع لبنات الدستور الدائم للسودان في ظل تشريد ونزوح أكثرية أبناء الشعب السوداني في دول اللجوء ومناطق النزوح وبإقصاء بعض القوى والأحزاب السياسية الوطنية، هو مصادرة صريحة ومرفوضة لحق المواطن الأصيل في تقرير مصير بلاده، ومحاولة لتمرير أجندة دستورية عجزت هذه القوى عن تحقيقها عبر الخيارات الديمقراطية والتفويض الشعبي.- التفصيل النخبوي لهياكل ومستويات الحكم الانتقالي والتدخل في شؤون الدولة: إن ادعاء الأحقية في صياغة “هياكل ومستويات الحكم خلال المرحلة الانتقالية” وجعلها من مخرجات لجان تحضيرية مدعومة خارجياً، يُعد التفافاً على مؤسسات الدولة الشرعية القائمة وتجاوزاً صارخاً لأولويات المعركة الوطنية الحالية. إن قضايا إدارة الحكم وتوزيع السلطة لا يمكن حسمها عبر “محاصصات الغرف المغلقة”، بل مكانها الصحيح هو الإطار الوطني الجامع و التوافق الوطني الذي يعقب بسط الأمن، واسترداد كافة اجزاء الدولة، وإعادة الإعمار، وتهيئة البلاد للانتخابات.- تفخيخ البناء القانوني بإعادة إنتاج منصات الإقصاء والتفكيك الأيديولوجي: تصر الخارطة على إحياء خطاب “التفكيك الانتقائي” للبلاد عبر وضع اشتراطات تقصي مكونات وطنية واجتماعية عريضة، وإقحام مصطلحات فضفاضة مثل “إنهاء اختطاف الدولة” لتصفية الحسابات السياسية وتجريف الخدمة المدنية والقانونية والعسكرية من الكفاءات الوطنية. إن العبث بمرجعيات الدولة القانونية والقضائية تحت مسمى “تفكيك منظومة النظام المحلول” يعيد البلاد إلى مربع التشظي السياسي والاجتماعي، ويهدد ما تبقى من تماسك مؤسسي للدولة السودانية.- الاستباق المشبوه للأطر والأنظمة الانتخابية: إن محاولة الاتفاق على “النظام الانتخابي” قبل تحقيق التوافق الوطني العريض وبمعزل عن المكونات السياسية والاجتماعية الفاعلة على الأرض، يوضح بجلاء أن الغرض ليس التأسيس لتحول ديمقراطي حقيقي، بل تفصيل أطر انتخابية معيبة تضمن إبقاء قوى سياسية بعينها في مشهد السلطة دون تفويض حقيقي عبر صناديق الاقتراع.سادساً: رؤية وموقف حركة المستقبل للإصلاح والتنمية:بناءً على ما تقدم، نعلن في حركة المستقبل للإصلاح والتنمية للرأي العام ثوابتنا ومقترحاتنا البديلة:* دعم مؤسسات الدولة : نؤكد وقوفنا الصلب خلف مؤسسات الدول على رأسها القوات المسلحة في معركتها الوطنية لإنهاء التمرد وبسط هيبة الدولة على كامل التراب الوطني، ونرى أن أي مسار لا ينطلق من اعتراف واضح بشرعية المؤسسات القائمة والقوات المسلحة وبطلان الوجود القانوني والسياسي للمليشيا المتمردة هو مسار ولد ميتاً.- التأكيد على وطنية الحلول السياسية : إن قضايا السودان وتطلعات شعبه يجب أن تحل بأيادٍ سودانية وعلى تراب وطني خالص، بعيداً عن كواليس العواصم الإقليمية والدولية ومؤثرات التمويل المشبوه والوصاية الخارجية.- الدعوة الشاملة للحوار الداخلي (السوداني – السوداني): ندعو كافة القوى الوطنية ، والقيادات الأهلية والمجتمعية، إلى الانخراط الفوري في حوار داخلي شامل يلتئم داخل الوطن. حوار يهدف إلى صياغة رؤية وطنية موحدة لمستقبل البلاد، تُؤسس لتوافق عريض يضمن استقرار الفترة الانتقالية، ويفضي إلى انتخابات حرة ونزيهة يختار فيها الشعب السوداني من يمثله بكامل إرادته.خاتمة:إن دماء الشهداء وتضحيات أهل السودان الذين قتلوا وشُردوا من ديارهم ونهبت ممتلكاتهم وانتهكت عروضهم تفرض علينا ألا نساوم على تضحيات هذا الشعب الصابر. وإننا في “حركة المستقبل للإصلاح والتنمية” سنظل حراساً مخلصين للسيادة الوطنية، رافضين للحلول المستوردة والمعلبة وكافة آلياتها الرقابية التي تحاول ما تسمى قوى “إعلان المبادئ” تسويقها لإعادة إنتاج الفشل والتبعية وتفكيك مؤسسات الدولة.حفظ الله السودان، وشعبه العظيم، وقواته المسلحة الباسلة.
الأمانة السياسيةحركة المستقبل للإصلاح والتنمية


