قول فصل همام علي مصطفى الحرباء ..إستنساخ الخيانة
لا تريد الحرباء وهي تُغيّر ألوان جلدها بانتظام شيئا سوى الرغبة في التخفي، والهروب من مواجهة الواقع، ومحاولة التكيف مع البيئة المحيطة بها لضمان بقائها؛ وهكذا هي تماماً تلك المجموعات السياسية المعزولة، التي ما توقفت من أن تتنقل بين العواصم والبلدان، وتُبدل جلودها، وتُغير أسماء لافتاتها كلما افتُضح أمرها ونبذها الشعب السوداني ولعن تاريخها. من منصاتٍ مشبوهة نبتت في دهاليز باريس، وتلوّنت في ضباب لندن، وتمسحت بأموال برلين، وصولاً إلى فصول التآمر المتجددة اليوم في نيروبي، تظل القصة واحدة والوجوه ذاتها، وإن تدثرت في كل مرة باسم جديد؛ تارةً يزعمون أنهم يمثلون الشرعية، وتارةً يدّعون الصمود، واليوم يطلون عبر تحالفٍ هلامي جديد لما يُسمى “إعلان المبادئ لبناء وطن جديد”. بيد أن هذا التلوّن المستمر والتحول الحربائي لا ينم إلا عن إفلاس سياسي وأخلاقي، وفشل ذريع في مواجهة حكم التاريخ وإرادة الجماهير العريضة التي لفظتهم وألقت بأطروحاتهم في سلة المهملات.إن ما جرى ويجري في فنادق نيروبي ليس سوى حلقة جديدة، بالغة الرداءة، في مسلسل العمل العدائي الممنهج الذي يقاد ضد الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية، وهو محاولة بائسة وخائبة لإنعاش قوى سياسية ماتت إكلينيكياً ونفسياً في وجدان المواطن السوداني. هذه الكيانات الوهمية، المصنوعة في ورش العمل الخارجية وعلى يد قوى إقليمية ودولية معلومة الأهداف، تحاول باستماتة تسويق نفسها بصفتها حامية لـ “المدنية” وداعية لـ “السلام”، بينما الحقيقة الشاخصة كالشمس في كبد السماء تقول إنها ليست سوى أذرع سياسية وأذيال تتحرك بالريموت كنترول لتُشرعن لجرائم مليشيا الدعم السريع الإرهابية. إنهم يتحركون كغطاء مدني قبيح لمليشيا باغتت الوطن واستباحت دماء السودانيين، واحتلت بيوتهم، ونهبت مقدراتهم، ومزقت النسيج الاجتماعي، ليصبح هذا التحالف بمثابة المبرر السياسي للمقصلة التي تُسلط على رقاب الأبرياء.يتحدث هؤلاء المرتزقون في مؤتمراتهم الفارهة، والمدفوعة الأجر مسبقاً، عن “المسارات الإنسانية” و”خارطة الطريق”، ويتبادلون الأوراق والخطب المنمقة والابتسامات أمام كاميرات الإعلام الغربي والإقليمي، متناسين عن عمد أن المعاناة الإنسانية الكارثية التي يتباكون عليها في فنادق الخمس نجوم هي النتاج المباشر لحرب حلفائهم من عناصر المليشيا المجرمة. كيف يستقيم عقلاً وأخلاقاً، في أي عرف سياسي أو إنساني، أن يقدم المقتول صكوك براءة لقاتله؟ وكيف يجرؤ هؤلاء الأذيال على صياغة مبادئ مستقبل الوطن في غرف نيروبي وعلى أنقاض دماء الشهداء وأوجاع المشردين والأرامل؟ إن هذه المؤتمرات، بطبيعتها ومكان انعقادها المريب في فندق Fairview Hotel Nairobi المملوك لجهات معلومة تدعم هذه الاحزاب ومليشيتها ومن يقف خلفها ويمولها، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنها تجمعات تفتقر إلى أي وازع وطني، وتُمثل امتداداً جلياً وصريحاً للمصالح الأجنبية التي تسعى جاهدة إلى تقسيم السودان، وإخضاعه لمشاريع الوصاية الدولية، وتفكيك بنية الدولة الوطنية لصالح مشاريع الجوار المشبوهة.إن هذا الابتذال السياسي والارتماء المخزي في أحضان الخارج، والابتهال والتسول المستمر على أعتاب المانحين والسفارات، يكشف العورة السياسية لهذه التنظيمات التي باتت عاجزة عن التنفس إلا برئة أجنبية. إنهم يبحثون عن الشرعية في العواصم الأوروبية والأفريقية لأنهم يعلمون يقيناً أنهم لا يملكون شبراً واحداً من الأرض أو الشرعية داخل تراب الوطن. وفي مقابل هذا السقوط الأخلاقي المريع، يقف الشعب السوداني الأبي، مسنوداً بإرادته الحرة وموقفه الثابت والمبدئي، منادياً بالحل الداخلي؛ الحل الذي ينبع من منصات الوطن، ويحترم السيادة الوطنية، ويصون كرامة البلاد دون إملاءات أو وصاية. إن التفاف الشعب حول قواته المسلحة الباسلة، جيش السودان الشرعي والوحيد ومؤسسته القومية الراسخة، يُمثل الصخرة العاتية التي تكسرت وتتحطم عليها كل المؤامرات والدسائس. فالشعب السوداني يدرك تماماً أنه لا مساومة على السيادة، ولا حوار مع الإرهاب، ولا شرعية لكيانات مصنوعة في غرف المخابرات، وأن الطريق الوحيد لإنهاء هذه المعاناة وبناء السودان الجديد يبدأ بالالتزام بالحل الوطني الخالص، ودعم القوات المسلحة حتى بسط سيطرتها الكاملة وتطهير البلاد، وتسليم السلاح، وتقديم المجرمين والقتلة والمحرضين إلى منصات العدالة الناجزة.إن فشل هذه المؤتمرات المتلاحقة والمستنسخة، بدءاً من لندن وباريس وبرلين والآن في نيروبي، هو قدرها المحتوم الذي لن تفلت منه، ولن تنتج أي فعل سياسي أو قانوني حقيقي على الأرض، لسبب بسيط وجوهري: أنها تفتقر بالكامل إلى أي قاعدة شعبية أو سند أخلاقي داخل السودان. فالشعب الذي وعى الدرس جيداً، وعايش الفظائع والانتهاكات، لا يمكن أن تخدعه شعارات الحرباء السياسية التي تبدل اسمها مع كل موسم لتبحث لنفسها عن مقعد في قطار السلطة والمحاصصة عبر دماء المواطنين وآلامهم. هذه الكيانات المعزولة لا تمثل إلا نفسها ومموليها، ولم تعد تساوي في نظر المواطن السوداني سوى الحبر الذي تُكتب به بياناتهم الفطيرة والمهترئة. إن استهداف السيادة الوطنية ومحاولة تسليم السودان للقوى الأجنبية على طبق من ذهب هو رهان خاسر وتجارة كاسدة، فالسودان لن يُباع في مزادات العواصم، وإرادة الشعب السوداني وجيشه الوطني هي الكلمة الفصل والنهائية. وسيبقى الوطن شامخاً وعصياً على التركيع والتفكيك، ومقبرةً لكل الخونة والمأجورين والمتاجرين بقضايا المستضعفين، ولن يصح في نهاية المطاف إلا الصحيح؛ دولة شرعية بمؤسساتها وقواتها المسلحة وشعبها الأبي الصامد.

