الذهب السوداني بين الوفرة المهدرة وفرصة إنقاذ الاقتصاد
أثارت التصريحات الأخيرة لوزير المالية بشأن إنتاج السودان من الذهب خلال العام الماضي اهتماماً واسعاً، بعدما كشفت عن تقديرات تشير إلى أن البلاد أنتجت نحو 199 طناً من الذهب، بقيمة سوقية تقترب من 26 مليار دولار وفق الأسعار العالمية الحالية. ويعد هذا الرقم صادماً إذا ما قورن بالإحصاءات الرسمية السابقة التي تحدثت عن إنتاج بلغ نحو 70 طناً فقط، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مصير الكميات المتبقية، وحجم التهريب، ومدى استفادة الاقتصاد السوداني من أحد أهم موارده الطبيعية.ومن الناحية الاقتصادية، فإن قيمة الـ26 مليار دولار لا تعني أن السودان حصل على هذا المبلغ، وإنما تمثل القيمة السوقية التقديرية لكمية الذهب المنتجة إذا بيعت بالأسعار العالمية الحالية. أما العائد الفعلي الذي دخل خزينة الدولة، فهو أقل بكثير، بسبب خروج جزء كبير من الذهب عبر قنوات غير رسمية، وهو ما حرم الاقتصاد من موارد ضخمة كان يمكن أن تسهم في استقرار سعر الصرف، وزيادة الاحتياطي من النقد الأجنبي، وتمويل الواردات، وتقليص العجز المالي.وتكشف الفجوة بين الإنتاج الحقيقي والإنتاج المسجل رسمياً عن تحديات هيكلية في إدارة قطاع التعدين، تتمثل في انتشار التعدين الأهلي، وضعف الرقابة، ووجود شبكات تهريب تستفيد من فروقات الأسعار والإجراءات المعقدة داخل القنوات الرسمية. فطالما ظل المنتج يحصل على سعر أعلى خارج الإطار الرسمي، ستظل عمليات التهريب تمثل خياراً اقتصادياً مغرياً بالنسبة لكثير من العاملين في القطاع.وفي هذا السياق، فإن إحكام السيطرة على الذهب لا يتحقق فقط عبر تشديد الإجراءات الأمنية، بل يتطلب إصلاحاً شاملاً لمنظومة شراء الذهب وتسويقه، بحيث توفر الدولة أسعاراً منافسة، وإجراءات أكثر مرونة، وثقة أكبر بين المنتجين والمؤسسات الحكومية. فالمعالجة الأمنية وحدها قد تحد من الظاهرة مؤقتاً، لكنها لا تقضي على أسبابها الاقتصادية.كما أن طرح الحكومة لفكرة تكوين احتياطي من الذهب لدى بنك السودان المركزي يمثل توجهاً اقتصادياً مهماً، إذ تلجأ كثير من الدول إلى الاحتفاظ بجزء من إنتاجها من الذهب لتعزيز احتياطياتها، واستخدامه كضمان للحصول على التمويل دون الحاجة إلى بيعه. غير أن نجاح هذه السياسة يتطلب أولاً السيطرة الكاملة على الإنتاج وضمان دخوله إلى القنوات الرسمية.ورغم الأهمية الكبيرة للذهب، فإن الاعتماد عليه وحده لا يمكن أن يشكل أساساً لتنمية مستدامة. فالذهب مورد ناضب، بينما تبقى الزراعة والإنتاج الحقيقي الركيزة الأكثر استقراراً للاقتصاد السوداني. ومن هنا تبرز أهمية توظيف عائدات الذهب في تمويل مشروعات التنمية الزراعية والصناعية والبنية التحتية، بدلاً من استخدامها في تغطية النفقات الجارية فقط.إن الأرقام التي كشفتها الحكومة، إذا ثبتت دقتها، تمثل جرس إنذار أكثر من كونها مجرد إحصائية اقتصادية. فهي تعكس حجم الموارد التي يفقدها السودان سنوياً بسبب ضعف الإدارة والتهريب، وفي الوقت نفسه تكشف عن فرصة حقيقية يمكن أن تسهم في إنعاش الاقتصاد إذا ما أُدير هذا القطاع بكفاءة وشفافية.وفي النهاية، فإن قضية الذهب في السودان ليست أزمة إنتاج، بل أزمة إدارة وحوكمة. فالثروة موجودة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويلها إلى قيمة مضافة تنعكس على حياة المواطنين، وتدعم استقرار الاقتصاد، وتؤسس لتنمية مستدامة تحفظ حقوق الأجيال الحالية والقادمة.دائرة الإعلام الاقتصادي بحركة المستقبل للإصلاح و التنمية.

