غير مصنف

الاستهداف الممنهج للاقتصاد السوداني خلال عدوان مليشيا ال دقلو الإرهابية وآثار الدعم الخاجي للعدوان

منذ بداية تمرد مليشيا الدعم السريع  في السودان في أبريل 2023، دخل الاقتصاد السوداني واحدة من أعنف الأزمات في تاريخه الحديث، بعد أن تحولت العمليات العسكرية للمليشيا من مجرد مواجهات ميدانية إلى حرب واسعة استهدفت بصورة مباشرة البنية الاقتصادية والإنتاجية والخدمية للدولة. ولم تقتصر آثار الانتهاكات من قبل المليشيا على الخسائر العسكرية والإنسانية، بل امتدت لتطال المصانع والمزارع والأسواق والبنية التحتية والمرافق الحيوية، الأمر الذي أدى إلى شلل واسع في النشاط الاقتصادي وتدهور الأوضاع المعيشية بصورة غير مسبوقة.وتشير تقارير رسمية سودانية وتقارير أممية وإعلامية دولية إلى وجود دعم لوجستي وعسكري قامت دولة الإمارات العربية المتحدة بتقديمه لمليشيا الدعم السريع . إلا أن استمرار تدفق السلاح واتساع نطاق العمليات العسكرية للمليشيا والانتهاكات الموثقة انعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد السوداني وعلى استقرار مؤسسات الدولة ومقدراتها الإنتاجية.وقد تعرضت مختلف القطاعات الاقتصادية لعمليات تدمير ونهب وتعطيل ممنهج، الأمر الذي أضعف قدرة الدولة على الإنتاج والتصدير وتوفير الخدمات الأساسية، وأدخل البلاد في دوامة من التضخم وارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل والاستثمار.أولًا: القطاع الصناعييُعد القطاع الصناعي من أهم أعمدة الاقتصاد السوداني، لارتباطه بالإنتاج المحلي وتوفير فرص العمل وتقليل الاعتماد على الاستيراد. إلا أن هذا القطاع تعرض خلال الحرب إلى خسائر واسعة نتيجة التخريب الممنهج من قبل مليشيا الدعم السريع والنهب الذي طال المصانع والمنشآت الصناعية في المناطق التي سيطرت عليها المليشيا، لا سيما في ولاية الخرطوم التي تضم الكثافة الصناعية الأكبر في البلاد.فقد تعرضت العديد من المصانع للحرق والتدمير والقصف، كما تم نهب الآلات والمعدات الثقيلة والمواد الخام والمنتجات الجاهزة وقطع الغيار، وهو ما أدى إلى توقف عدد كبير من المنشآت عن العمل بصورة كلية أو جزئية. كما ساهم انعدام الأمن وانقطاع الكهرباء وتعطل سلاسل النقل والإمداد في تعميق الأزمة الصناعية وإعاقة أي محاولات لإعادة التشغيل.وكانت الصناعات الغذائية والدوائية وصناعات مواد البناء والصناعات التحويلية من أكثر القطاعات تضررًا، مما تسبب في نقص السلع الأساسية وارتفاع أسعارها بصورة كبيرة. كما أدى توقف الإنتاج المحلي إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد، الأمر الذي ضاعف الضغط على النقد الأجنبي وأسهم في ارتفاع معدلات التضخم.كذلك ترتب على إغلاق المصانع فقدان آلاف العمال والموظفين لوظائفهم، مما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القوة الشرائية واتساع دائرة الفقر، إلى جانب تراجع ثقة المستثمرين وهروب رؤوس الأموال بسبب تدهور البيئة الاستثمارية وغياب الاستقرار.ثانيًا: البنية التحتيةتعرض قطاع البنية التحتية خلال الحرب إلى أضرار واسعة، رغم أنه يمثل العمود الفقري للنشاط الاقتصادي والخدمي في السودان، باعتباره يشمل الطرق والجسور والمطارات وشبكات المياه والكهرباء والاتصالات والمرافق العامة.وقد أدى تدمير الطرق والجسور وإغلاق عدد منها إلى تعطيل حركة المواطنين والبضائع ورفع تكاليف النقل والإمداد، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع والخدمات. كما تعرضت محطات المياه وشبكات الإمداد للتخريب والتعطيل، مما تسبب في أزمات خدمية وصحية واسعة النطاق في عدد من المناطق.وشهد قطاع الاتصالات كذلك اضطرابات كبيرة نتيجة استهداف الأبراج ومراكز الخدمة وانقطاع التيار الكهربائي، وهو ما أثر على التواصل والخدمات الإلكترونية والقطاع المصرفي والتحويلات المالية، في وقت أصبحت فيه الخدمات الرقمية ضرورة أساسية لاستمرار النشاط الاقتصادي.ومن أخطر مظاهر الاستهداف ما طال البنية التحتية الاستراتيجية، خاصة مطار الخرطوم الدولي، الذي تعرض منذ الأيام الأولى للحرب لعمليات تدمير واسعة شملت الطائرات والمنشآت التشغيلية والخدمية. واستمرت الأضرار التي لحقت بالمطار حتى بعد استعادة أجزاء واسعة من العاصمة، حيث تعرض المطار مؤخرًا لهجمات بالطائرات المسيّرة تسببت في تعطيل جهود إعادة تشغيله وإعادة تأهيله.ويمثل استهداف مطار الخرطوم ضربة مباشرة لأحد أهم المرافق السيادية والاقتصادية في البلاد، لما يشكله من أهمية في حركة السفر والتجارة والشحن الجوي والاستثمار، كما يعكس حجم التأثير الذي تعرضت له البنية التحتية الوطنية بصورة عامة.وقد ترتب على تضرر البنية التحتية تباطؤ النشاط الاقتصادي وتعطل عمليات الإنتاج والتوزيع، إلى جانب ارتفاع تكاليف الخدمات الأساسية، مما فاقم من معاناة المواطنين وأضعف قدرة الدولة على تقديم الخدمات بصورة مستقرة.

ثالثًا: القطاع الزراعييُعتبر القطاع الزراعي الركيزة الأساسية للاقتصاد السوداني، نظرًا لاعتماده على الموارد الطبيعية الواسعة ودوره المحوري في توفير الغذاء وفرص العمل ودعم الصادرات. ولذلك كان استهداف العدوان له من قبل الامارات عن طريق المليشيا خلال الحرب ذا تأثير بالغ على الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي.وقد تعرضت مناطق واسعة من الإنتاج الزراعي للتعطيل بسبب العمليات العسكرية والنزوح وانعدام الأمن، مما أدى إلى توقف النشاط الزراعي في عدد كبير من المناطق المنتجة. كما تعرضت الآليات الزراعية ومعدات الري والمدخلات الزراعية والوقود لعمليات نهب واسعة أثرت بصورة مباشرة على استمرار المواسم الزراعية.وتسببت انتهاكات المليشيا كذلك في صعوبة عمليات الحصاد والنقل والتخزين، إلى جانب تعرض بعض المحاصيل للنهب والتلف، مما أدى إلى انخفاض الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء وتراجع الصادرات الزراعية.ويُعد مشروع الجزيرة من أكثر المشروعات التي تأثرت بالحرب، باعتباره أكبر مشروع زراعي مروي في السودان وأحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني. فقد تعرض المشروع إلى تعطيل واسع نتيجة استهداف المليشيا له والاضطرابات الأمنية، وشملت الأضرار نهب الآليات والمعدات الزراعية، وسرقة المحاصيل والمدخلات الزراعية، وتخريب أجزاء من منشآت الري والخدمات المرتبطة بالإنتاج، فضلًا عن نزوح أعداد كبيرة من المزارعين والعمال الزراعيين.وقد أدى ذلك إلى تراجع الدورة الزراعية داخل المشروع وانخفاض الإنتاج بصورة أثرت مباشرة على الأمن الغذائي والاقتصاد القومي، خاصة أن المشروع يمثل مصدرًا استراتيجيًا للإنتاج الزراعي في السودان.رابعًا: قطاع الخدماتلم يكن قطاع الخدمات بمنأى عن آثار انتهاكات العدوان على الاقتصاد السوداني إذ تعرض هو الآخر إلى تدهور كبير انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين واستقرار المجتمع. ويشمل هذا القطاع الخدمات الصحية والتعليمية والمياه والاتصالات والخدمات الحكومية، وهي قطاعات تمثل أساس الحياة اليومية والنشاط الاقتصادي.فقد تعرضت المستشفيات والمراكز الصحية للتخريب والتوقف عن العمل في عدد من المناطق، مما أدى إلى تراجع الخدمات العلاجية ونقص الرعاية الصحية والأدوية والخدمات الطارئة، خاصة مع تزايد أعداد المصابين والنازحين.كما تعطلت العملية التعليمية بصورة واسعة نتيجة توقف المدارس والجامعات وخروج العديد من المؤسسات التعليمية عن الخدمة، الأمر الذي أثر على ملايين الطلاب وفاقم من التحديات الاجتماعية والمعرفية المرتبطة بالحرب.وتعرضت خدمات المياه والاتصالات إلى اضطرابات وانقطاعات متكررة بسبب الأضرار التي لحقت بالبنية التشغيلية، مما أثر على الخدمات الأساسية وعلى الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها.وقد أدى هذا التدهور العام في قطاع الخدمات إلى زيادة معاناة المواطنين وارتفاع تكاليف الحصول على الخدمات الأساسية، فضلًا عن الضغط المتزايد على المؤسسات التي ما تزال تعمل في ظروف بالغة الصعوبةختامًاإن التمرد الذي اندلع من أبريل 2023 لم تقتصر آثاره على الجانب العسكري والإنساني فقط، بل امتدت لتستهدف بصورة عميقة البنية الاقتصادية للدولة السودانية ومقومات الإنتاج والاستقرار. فقد تعرضت القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية والبنية التحتية إلى عمليات تدمير ونهب وتعطيل واسعة، أدت إلى تراجع الإنتاج الوطني وارتفاع معدلات البطالة والتضخم وتدهور مستوى الخدمات الأساسية.كما أن حجم الأضرار التي لحقت بالمؤسسات الاقتصادية والاستراتيجية يعكس خطورة التحديات التي ستواجه السودان في مرحلة ما بعد الحرب، والتي ستتطلب جهودًا وطنية ودولية كبيرة لإعادة الإعمار واستعادة النشاط الاقتصادي وإصلاح البنية التحتية وإعادة بناء مؤسسات الدولة.ولا يمكن تحقيق الاستقرار الاقتصادي دون معالجة آثار الحرب بصورة شاملة، ودعم جهود إعادة الإنتاج والتنمية، وتهيئة بيئة آمنة تساعد على عودة الاستثمار واستعادة دورة الاقتصاد الوطني، بما يضمن تحسين الأوضاع المعيشية وعودة الاستقرار للمجتمع السوداني.

#عدالة_إصلاح_تنمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
arالعربية