
همام علي مصطفى
أمين العدل و حقوق الإنسان بحركة المستقبل للإصلاح و التنمية
مؤتمر برلين .. قراءة قانونية وسياسية
همام علي مصطفى
أمين أمانة العدل و حقوق الإنسان بحركة المستقبل للإصلاح و التنمية
على أعتاب الخامس عشر من أبريل 2026، تتجه الأنظار صوب العاصمة الألمانية برلين، حيث يُزمع عقد نسخة جديدة من المؤتمرات الدولية المخصصة لمناقشة “الأزمة السودانية”. ومع تصاعد وتيرة التحضيرات، تتصاعد في المقابل موجة من التساؤلات المشروعة والقلقة في الأوساط القانونية والسياسية والوطنية السودانية على سبيل المثال هل يمثل هذا المؤتمر مخرجاً حقيقياً للأزمة، أم أنه مجرد حلقة جديدة في مسلسل “التدوير” السياسي الذي بات يستنزف السيادة السودانية ويطيل أمد المعاناة؟
إن تشريح مشهد “مؤتمر برلين” يستوجب منا الغوص في مفاصل قانونية وسياسية بالغة التعقيد، تبدأ من فلسفة التدخل الدولي، وتمر عبر أروقة السيادة الوطنية، وصولاً إلى الواقع الميداني الذي يتم القفز فوقه في “قاعات فنادق أوروبا” الأنيقة والفخمة .
أولاً: الإطار القانوني الدولي ومعضلة “السيادة المنتقصة”
ينص ميثاق الأمم المتحدة في المادة (2) الفقرة (7) على عدم جواز التدخل في الشؤون التي تدخل في صميم السلطان الداخلي للدول. ومن هذا المنطلق، يطرح مؤتمر برلين إشكالية قانونية جسيمة تتعلق بـ “شرعية المنصة” و”شرعية التمثيل”حيث يتم تغييب المؤسسات الرسمية للدولة حيث إن أي مؤتمر دولي يتناول شأن دولة ذات سيادة، دون تنسيق كامل وقيادة مباشرة من حكومتها الشرعية، يمثل انتهاكاً صارخاً لمبدأ “المساواة في السيادة”. إن التعامل مع الدولة السودانية كـ “طرف بين أطراف” أو “موضوع للبحث” وليس “صاحب قرار”، يسحب البساط القانوني من تحت أي مخرجات قد تصدر عن المؤتمر. فمن الناحية القانونية، لا تملك أي جهة دولية الحق في رسم خارطة طريق سياسية أو قانونية لدولة عضو في الأمم المتحدة بمعزل عن مؤسساتها القائمة واعتماد نهج “مؤتمرات التدوير” باستدعاء مجموعات سياسية محددة، ومنحها منصة دولية توحي بأنها “الممثل الشرعي” للشعب السوداني. قانونياً، في الوقت الذي تفتقر فيه هذه المجموعات إلى “التفويض الشعبي” أو “الغطاء الدستوري”، مما يجعل من محاولة فرض رؤيتها على الدولة السودانية نوعاً من “الوصاية السياسية” التي لا يسندها قانون ولا واقع. هذا المسلك يؤدي إلى “تمييع” مفهوم الدولة، حيث تُختزل في مجموعات مصالح تُختار وفق معايير الجهات المنظمة.
ومن ناحية اخرى فان عملية تدوير هذه المجموعات يعتبر مرفوضا رفضا تاما من قبل الشعب السوداني و مصطلح “التدوير” في السياق السياسي السوداني يعني إعادة إنتاج نفس الوجوه، ونفس التحالفات، ونفس الصيغ التي أثبتت فشلها منذ عام 2019. مؤتمر برلين 2026، بسياقه الحالي، يبدو وكأنه يسعى لإعادة تسويق “بضاعة سياسية” انتهت صلاحيتها ميدانياً وشعبياً. ويقف التاريخ القريب خير شاهد على ذلك فاذا نظرنا إلى “مؤتمر باريس 2024” و”مؤتمر لندن 2025″، سنجد قواسم مشتركة مرعبة؛ وعود مالية ضخمة لم يتحقق منها إلا النزر اليسير، وبيانات سياسية رنانة لم توقف رصاصة واحدة في الميدان و برلين تسير على ذات الخطى، حيث يتم التركيز على “الشكل” الدبلوماسي مع تجاهل “الجوهر” الحقيقي الذي يهم المواطن السوداني .فبينما يُناقش المؤتمرون في برلين “التحول المدني” و”توزيع السلطة”، يواجه المواطن السوداني في الداخل واقعاً مغايراً تماماً تتداخل فيه التهديدات الوجودية مع نقص الغذاء والدواء. هذا الانفصام يجعل من مخرجات المؤتمر “نصوصاً معزولة” لا تجد لها صدى في الشارع السوداني الذي تجاوز في وعيه هذه الصيغ النخبوية، وبات يبحث عن الأمن والسيادة أولاً. وعلى سبيل المثال فعندما نقارن الحالة السودانية بنماذج دولية أخرى، نجد أن الأزمات التي تم تدويلها بشكل مفرط (مثل الحالة الليبية أو السورية) انتهت بتمزيق الدولة وتحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية ولم تساهم المؤتمرات الدوليه التي عقدت من اجلها في حل مشكلاتها ولم يستفد مواطنوها منها فمثلا النموذج الليبي نجد أن عشرات المؤتمرات الدولية قد عقدت مثل(برلين 1، برلين 2، باريس، باليرمو) لم تنجح في إنتاج سلطة موحدة لأنها تجاهلت الفاعلين الحقيقيين على الأرض وركزت على نخب الخارج. وبالتالي فان إقحام السودان في هذا “القالب الأوروبي” هو حكم بالإعدام على فرص التوافق الوطني.والحلول “الجاهزة” التي تُصمم في العواصم الاوروبية لا تناسب الطبيعة الاجتماعية والسياسية المعقدة للسودان، وتؤدي حتماً إلى صراعات نفوذ داخلية تتغذى على الدعم الخارجي. والخطر الاكبر هو مصادرة الإرادة الشعبية حيث تتمثل أكبر سقطات مؤتمر برلين في تغييب “المتأثرين الحقيقيين” بالصراع. الشعب السوداني، بكل مكوناته من مزارعين، ونازحين، ومهنيين، وإدارات أهلية، ليجد نفسه “مفعولاً به” في معادلة برلين. حيث يتم اختيار المدعوين للمؤتمر وفق معايير “الولاء للأجندة الدولية” أو “الارتباط بالدوائر الغربية”، بينما تُقصى القوى الوطنية الحية التي بقيت في الداخل السوداني، صامدة مع مؤسسات الدولة ومع الشعب. هذا الإقصاء لا يمثل خللاً ديمقراطياً فحسب، بل هو “لغم سياسي” سيفجر أي اتفاق مستقبلي لا يعبر عن القوى الوطنيه. كما انه لا يمكن لأي عقل سياسي رصين أن يتصور حلاً للأزمة السودانية بتجاوز الحكومة السودانية والقوات المسلحة. إن محاولة “شيطنة” أو “تجاهل” المؤسسة الرسمية للدولة يؤدي إلى تصلب المواقف الوطنية وزيادة الفجوة مع المجتمع الدولي. إن الدولة ليست مجرد “نظام سياسي” بل هي الكيان القانوني الذي يمثل السيادة، وتجاوزها هو تجاوز لكرامة كل مواطن سوداني.
في اطار اخر يُطرح مؤتمر برلين تحت لافتة “جمع التبرعات”، ولكن التجربة التاريخية تقول إن هذه التعهدات المالية غالباً ما تكون “مشروطة” بتنازلات سياسية تمس السيادة الوطنية، كما أنها تخضع لآليات توزيع تثير الشكوك. فإن ربط تقديم الغذاء والدواء للشعب السوداني بقبول صيغة سياسية معينة هو عمل يتنافى مع مبادئ “القانون الدولي الإنساني” التي تؤكد على الحياد والاستقلال. الشعب السوداني يحتاج إلى دعم “إنساني” خالص، لا إلى “مقايضات” سياسية ترهن مستقبل بلاده مقابل وعود مالية قد لا تخرج من أجهزة الصراف الآلي الأوروبية. كما تُدار معظم المساعدات عبر منظمات دولية تستهلك جزءاً ضخماً من الميزانيات كـ “مصاريف إدارية” ورواتب لخبراء أجانب ولا تعود على المتضررين الحقيقيين .
إن انعقاد مؤتمر برلين بهذه الطريقة الإقصائية سيؤدي إلى سلسلة من النتائج العكسية منزعزعة الثقة في القانون الدولي فعندما يرى المواطن السوداني أن القوى الدولية تنتهك سيادة بلده تحت مسمى “المؤتمرات”، فإنه يفقد الإيمان بمنظومة العدالة الدولية، مما يدفع نحو التطرف أو الانغلاق الوطني. كما توفر مثل هذه المؤتمرات “أوكسجيناً سياسياً” لبعض الأطراف التي لا تملك وزناً في الداخل، مما يشجعها على رفض الحلول الوطنية انتظاراً لـ “سراب” التدخل الدولي. وهذه المؤتمرات الخارجية تعتمد غالباً على محاصصات لا تعترف بوزن الإدارات الأهلية والطرق الصوفية والمكونات المجتمعية التي تشكل “صمام الأمان” في السودان، مما يهدد بتحويل الصراع من سياسي إلى مجتمعي شامل.
من جانب اخر فقانونياً، لا تملك أي “خارطة طريق” تخرج من برلين أي صبغة إلزامية داخل السودان ما لم تمر عبر القنوات الدستورية الوطنية.فأي تعديل في المشهد السياسي يجب أن يستند إلى الوثيقه الدستوريه المنظمة للفترة الانتقالية والتشريعات الوطنية السودانية فكيف يستطيع المشاركون في مؤتمر برلين ان يفعلوا ذلك ؟. ومحاولة فرض “نظام حكم” أو “مجالس انتقالية” من الخارج تُعتبر إجراءات “باطلة قانوناً” ولا يمكن الاعتداد بها ولن تجد سندا قانونيا لا في القانون الدولي ولا في القانون الوطني . كما يُنظر القانون السوداني إلى ان مجرد التنسيق مع قوى خارجية لفرض تغييرات سياسية داخلية بمعزل عن الدولة كفعل يمس الأمن القومي ويعتبره فعلا مجرما قانون، وهو ما يضع المشاركين في هذه المؤتمرات تحت طائلة المساءلة القانونية الوطنية.
إن النقد الموجه لمؤتمر برلين لا ينطلق من موقف “انعزالي” يرفض التعاون الدولي، بل من حرص وطني على إنتاج حل مستدام يمتلك “الشرعية” و”القدرة على البقاء”. وهنا فالبديل الحقيقي يتلخص في الاعتراف بالسيادة كاملة حيث يجب أن يكون التعامل الدولي مع السودان عبر بوابته الرسمية (الحكومة السودانية)، وبما يحفظ هيبة الدولة ومؤسساتها الوطنية وعلى رأسها القوات المسلحة. والعمل على توطين الحوار فان قيمة أي اتفاق تكمن في مكان توقيعه والمشاركين فيه وامكانيه تنفيذ بنوده على ارض الواقع. لذا فان العودة إلى الخرطوم، بورتسودان، أو أي مدينة سودانية، هي الضمانة الوحيدة لالتزام الأطراف وتأكيد أن الحل “صُنع في السودان”. وإشراك الإدارات الأهلية، المكونات المحلية، النقابات المهنية،والطرق الصوفيه والشباب والمراه والنازحين والمتطوعين، فهم الأكثر دراية باحتياجات الشعب والأقدر على حماية أي توافق سياسي.
اخيرا هذه رسالة إلى الحكومة الألمانية والشركاء الدوليين مفادها إن الشعب السوداني ليس “كتلة هلامية” تحتاج إلى وصاية، بل هو شعب ذو تاريخ عريق ومؤسسات دولة ضاربة في القدم. إن إصراركم على تجاوز الحكومة السودانية وتدوير مجموعات الخارج المعزوله شعبيا لن يؤدي إلا إلى مزيدا من الرفض للتدخلات الدولية .فإذا كنتم صادقين في رغبتكم لدعم السودان، فليكن ذلك عبر فتح قنوات اتصال رسمية مع الدولة السودانية. ودعم آليات العون الإنساني الوطنية. والضغط على الأطراف المتمردة لوقف الانتهاكات بدلاً من منحها “غطاءً سياسياً” في المؤتمرات الدولية.و يجب أن يدرك الجميع أن مؤتمر برلين 2026، إذا استمر في مساره الإقصائي، لن يكون سوى نسخة مكررة من إخفاقات سابقة ستزيد من تعقيد المشهد السوداني. وإن الشعب السوداني الذي دفع أثماناً باهظة من دمه وأمنه، لن يقبل بـ “ترزية” سياسيين يصيغون مستقبله في صالونات أوروبا مقابل “أثمان” سياسية بخسة. وإن سيادة السودان ليست ملفاً للمناورة أو المقايضة، وقراره يجب أن يخرج من بين أيدي أبنائه المخلصين في الداخل، لا من حقائب الدبلوماسيين في العواصم الأوروبية. الحل يكمن في العودة إلى “منصة الوطن”، واحترام إرادة الشعب، والكف عن مقامرات “التدوير” التي لا تحصد إلا الخراب. .. سيظل السودان عزيزاً، شامخاً، وسيبقى قراره “سودانياً” بامتياز، رغم أنف المؤتمرات والتدويل




